يؤرَّخ لبداية الترجمة ببداية التواصل البشري اللغوي، ويقترن تاريخ الترجمة بتاريخ هذا التواصل. ومن علاماته العربية الفارقة، أُذكّر بشيخ المترجمين (حُنين بن إسحاق) (808– 873م)، الذي درس الطب، وأجاد من اللغات الفارسية والسريانية واليونانية، أما في العربية؛ فقد تتلمذ على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي.
وقد أسند الخليفة (المأمون)
لحنين بن إسحاق إدارة (بيت الحكمة)، وتولّى ديوان الترجمة، وأسس معهداً أو مدرسة لإعداد المترجمين، وترجم من اليونانية لأرسطو وأبقراط وجالينوس. كما سار ابنه إسحاق بن حُنين (830 ذ 910م) على نهجه، فدرس الطب، وترجم عن اليونانية والسريانية، ومن ترجماته لإقليدس كتابا (الأصول) و (المعطيات)، ولأرخميدس كتاب (حول الكرة والأسطوانة)، ولأفلاطون ترجم (السفسطائي)، فضلاً عن أنه ألّف عدداً من الكتب الطبية والفلسفية. ومن النجوم التي تلتمع في تاريخ الترجمة إلى العربية: خالد بن يزيد، الذي حمل لقب حكيم بني أمية، وعمل في الطب والكيمياء، كما ترجم في هذه العلوم. وهذا ابن المقفع (توفي 759م)، وهو الفارسي (روزبة بن داذويه)، الذي أجاد من اللغات: الفهلوية والسريانية والعربية. وقد ترجم عن الهندية للحكيم (بيدبا) كتاب (كليلة ودمنة)، وكذلك (الأدب الكبير) و(الأدب الصغير). ولا ننسى من المترجمين الأعلام: (ثابت بن قرة، وقسطا بن لوقا البعلبكي، ويحيى بن عديّ، وعيسى بن إسحاق، وأبو بشر متّى بن يونس، وأبو عبدالله الفزاري، وأبو سهل النوبختي)...

في هذا السياق الزاخر، ومنذ قرن، تنهض ترجمة سليمان البستاني للإلياذة (1904م)، وسوف تتعدد ترجماتها بعد عقود من: (دريني خشبة، ومحمد عناني، إلى أمين سلامة وأحمد عثمان، إلى ممدوح عدوان وحنا عبود). وهذا حافظ إبراهيم يشْرعذ عندما كان منفياً في السودان- في ترجمة (البؤساء) لفيكتور هيجو، بعدما جرّب الرواية في (ليالي سطيح)، لكنه رحل عن عالمنا قبل أن يكمل الترجمة.
لعل التحدي الأكبر للمترجم هو (الإبداع في الترجمة)، ما يتبدى بخاصة في ترجمة الإبداعات الأدبية (الروايةذ الشعر)، والفكرية (الفلسفة تحديداً).
وبتعبير آخر عن هذا التحدي، يصبح هو امتلاك المعنى بدقائقه وتدرجاته وفروقه. إنه امتلاك روح النص، روح المعنى. وقد واجه المترجم المؤسس حُنين بن إسحاق وابنه من بعده هذا التحدي، بمعارضة الترجمة الحرفية التي كان من أعلامها
يوحنا بن البطريق (730ذ 815م)، الذي اشتهر بيوحنا الترجمان، وبأنه (أمين) في الترجمة، وبأنه لا يتقن العربية. وهنا أشير إلى أنموذج من المترجمين، لا أسميه لأسباب شخصية، يبدع في الترجمة عن الإنجليزية، لكنه لا يحسن التحدث بها. ومثل يوحنا بن البطريق في الترجمة الحرفية، هو عبدالمسيح ابن ناعمة الحمصي (800ذ 864م).
وتقف المعجمية العربية كتحدٍّ ثانٍ أمام الترجمة من وجهين، الأول هو ما يوصف بالتأخر وبالتقصير في مجاراة الجديد في اللغات الأخرى (الإنجليزية أولاً وأخيراً)، في العلوم وفي الفلسفة، بل والنقد الأدبي. أما الوجه الثاني؛ فهو العاميات العربية التي ينسرب منها ما ينسرب في الرواية، على سبيل المثال.
أما المعوقات؛ فمنها الحدود الدانية والدنيا للإسهامات الرسمية الدولية العربية في تمويل الترجمة ومأسستها، ويتصل هذا المعوق بالحدود الدنيا والدانية للعمل المؤسساتي العربي الترجمي، مقابل وفرة المبادرات الفردية والمصادفات والعلاقات الشخصية. ولا يتعلق هذا النوع من المعوقات فقط بالترجمة إلى العربية؛ ففي الترجمة من العربية ما هو أكبر وأمرّ. ومن ذلك ما لمسته في زيارتي الأخيرة للصين خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر (2025م)، سواء ممن يعمل في الترجمة أستاذاً، أو ممن تتهيأ لها طالبةً، أو من دار نشر خاصة، أو مؤسسة نشر رسمية، حيث الشكوى من نزوح الخريجين إلى (البيزنس)، وتدني ما تدره الترجمة الأدبية، على العكس من الترجمة العلمية أو الاقتصادية. كما يشار إلى عناء المترجم في البحث عن الناشر، وإلى تردّي الدعاية والتوزيع، وفوضى دعم المترجمين ودعم دور النشر.

لقد تحققت إنجازات كبرى في النصف الثاني من القرن العشرين على يد مترجمين مبدعين، وصولاً إلى يومنا. وللمرء هنا أن يحار حقاً في من يذكر ومن لا يذكر لضيق المقام، كأن يبدأ مثلاً بـ(أم المترجمين) فاطمة موسى، أو من ألقبه بالموسوعة تأليفاً وترجمة: ثروت عكاشة، وماذا إذاً عن سهيل إدريس، أو عايدة مطرجي إدريس، أو إمام عبدالفتاح إمام، أو عبدالغفار مكاوي، أو جبرا إبراهيم جبرا، أو عبدالواحد لؤلؤة، أو محمد شاهين، أو محمد عصفورة، أو سعد البازعي أو...؟
في هذه السلسلة الذهبية من هو باحث في الفلسفة أو روائي أو ناقد أو شاعر. وإذا لم يكن بدّ من تفصيلٍ ما، فلأسرع إذاً إلى سامي الدروبي (1921ذ 1976م)، الذي ترجم أعمال دوستويفسكي من الفرنسية، فتساءل من تساءل (هل قرأنا دوستويفسكي حقاً؟).. غير أن ترجمته بلغت من الإبداع مبلغاً أغنت فيه عن ترجمة دوستويفسكي عن الروسية. ولا ننسى ترجمته لأعمال تولستوي، والتي قطعها الموت، فأكملها صياح الجهيّم. وممن تلوا الدروبي وكان لهم مثل الذي كان له في الإبداع في الترجمة، يأتي صالح علماني (1949ذ 2019م)، الذي ترجم عن الإسبانية قرابة )113( كتاباً، فعرّفنا إلى إبداعات ماركيز، وإيزابيل الليندي، وإدوارد غاليانو، وماريو فارغاس يوسا، وسواهم كثيرون وكثيرات. وقد امتدح يوسّا صالح علماني، وقال فيه محمود درويش: (علماني ثروة وطنية يجب أن تؤمم).
وتتألق أيضاً ترجمات عبدالقادر عبداللي عن اللغة التركية (55 كتاباً). وعن الإسبانية هي أيضاً ترجمات رفعت عطفة، وعن الألمانية ترجمات نبيل الحفار، وعن الإنجليزية ترجمات ممدوح عدوان والحارث النبهان و...في الاتجاه المعاكس، وفي ترجمة أي من لغة ما إلى العربية، تتضاعف المعوقات والتحديات، ويكفي أن أضرب مثلاً بما نقل من العربية إلى اليابانية، وهو (103) كتب، مقابل مئة ألف كتاب من اللغات الأخرى. وبالطبع ثمة مترجمون مبدعون في هذا الاتجاه المعاكس، أمثّل لهم بالصيني (شوي تشينغ قوه) (بسام). الذي أبدع في ترجمة أعمال عديدة لأدونيس ومحمود درويش، حتى قالت فيه تشن تشنغ: (أبدع كلمات في ترجمته لأدونيس لم تكن في الصينية وصارت تُتداوَل).