نافذة الثقافة العربية

معروف في الغرب بتنوع إبداعه

فؤاد الكعبازي.. الموسوعي والأديب والفنان

الكاتب : أحمد فرحات

المزيد من المواضيع للكاتب
العدد الواحد والثمانون Jul, 01 2023
هو ناقد، ومسرحي، وموسيقي، وسينمائي، وفنان تشكيلي، ومترجم، وإعلامي، وعالم بالأديان، وخبير جيولوجي، ووزير نفط.. وقد زاول ذلك كله بجدية إبداعيّة، وقوة تواصل، وأريحيّة لا نظير لها. إنه فؤاد الكعبازي (1920 - 2012م)، الموسوعي الليبي البالغ الفذاذة، والذي يعرفه الإيطاليون والأوروبيون أكثر بكثير من معرفة أهل بلده له، ومعهم العرب أيضاً.

 

التقيت به للمرة الأولى في روما مطلع الثمانينيّات من القرن الفائت، وتكرّرت لقاءاتي به في تونس وطرابلس الغرب على نحو أوثق وأوسع، إذ تعمّرت بيننا صداقة معرفيّة وثقافية عميقة، حرصت شخصيّاً على استمرارها وتعزيزها، على الرغم من التباعد الجغرافي، واختلاف الأجيال في ما بيننا، والذي لم يكن هو يعترف به، حتى آخر يوم في حياته. 

من أعماله الفنية

سطع نجم (فؤاد الكعبازي) في الزمن الليبرالي لليبيا، أيّ في عهد الملك إدريس السنوسي (1890- 1983م)، الذي حكم ليبيا (18) سنة، وتميّز حكمه بالرشادة والاعتدال ومقاومة الاستعمار الإيطالي لبلاده، بخاصة وأنه كان مثقفاً كبيراً، ويمتلك مكتبة ضخمة في قصره، ويحرص على اللقاء الدوري بعلماء عصره ومفكّري هذا العصر، من داخل ليبيا وخارجها. كيف لا وهو أمين الدعوة الصوفيّة السنوسيّة في ليبيا، وعموم الشمال الإفريقي، وقد ورثها عن والده المهدي السنوسي عام (1916م)، وبالتحديد بعد عودته من أداء فريضة الحاج في مكة المكرمة.

بعد الحرب العالميّة الأولى، دخل الملك (إدريس السنوسي) في مفاوضات مريرة مع الإيطاليين، قضت باعترافهم به أميراً لإدارة الحكم الذاتي في البلاد. وسرعان ما نكث الإيطاليون بتعهدهم هذا، الأمر الذي اضطره للمغادرة إلى مصر، بعدما كلّف شقيقه الأمير (محمد الرضا) برعاية شؤون الحركة السنوسيّة، وعيّن معه عمر المختار مساعداً أوّل له في الحركة، وترك لنفسه إدارة الشأن السياسي من مقر إقامته في مصر. وكان لهذا الإجراء الذي اتخذه الملك، خصوصاً تجاه قائد المقاومة الليبية (عمر المختار)، وقعه الوطني الأثير على الأجيال الليبية والعربية، بخاصة بعد إعدام الايطاليين له عام (1931م)، فلُقّب المختار إثرها بـ(شيخ الشهداء)، و(شيخ المجاهدين)، و(أسد الصحراء).

أحد الكتب التي قام بترجمتها

وبالعودة إلى (فؤاد الكعبازي)، الذي عُيّن أوّل وزير نفط في ليبيا عام (1961م) في الحكومة الملكيّة، التي تولاها محمد عثمان الصيد، فإنه أبلى بلاء حسناً في منصبه، وخصوصاً لجهة نجاحه في تصدير أوّل شحنة بترول في تاريخ ليبيا، قبل نهاية العام الذي تمّ تعيينه في المنصب. وتكرر تعيين (الكعبازي) في المنصب الوزاري نفسه أيام الحكومة الملكية الثانية، التي تولاها محمود المنتصر عام (1964م)، وكذلك أصرّ الملك السنوسي على بقائه وزيراً للنفط في حكومته الثالثة، التي شكّلها برئاسة حسين مازق عام (1965م). ويشير رجل الأعمال اللبناني (علي عجمي)، الذي كان على صلة بالجهتين في ليبيا وقتذاك، أنّ الملك كان معجباً بشخص فؤاد الكعبازي، نظراً لموسوعيّته، وأنه كان يستشيره في أمور فكرية وتربوية شتّى، وفي طليعتها كيفيّة تعزيز تعليم اللغة العربية في البلاد، بعد محاولات الإيطاليين إضعافها وشطبها من التداول. وكان الكعبازي، بحسب عجمي، يقوم بالمهام على خير ما يرام، لا لشيء؛ إلّا لأنّ الثقافة العربيّة، والإبداع العربي، واللغة العربيّة، هي ديدنه وهمّه المقيم طوال الوقت.

خلّف (فؤاد الكعبازي) الكثير من الأعمال الأدبيّة، ولا سيّما لجهة ترجمته نماذج من الشعر العالمي، وتحليلها والتعليق عليها. وكتب ديواناً شعرياً بالإيطالية بعنوان: (ليبيتكو)، نال عليه جائزة (ريجيو كالابريا)، للشعر المؤلف من غير الإيطاليين في العام (1981م). وكتب ديواناً آخر بالإنجليزية أهداني إيّاه، واستعاره منّي الشاعر اللبناني الراحل خليل حاوي. كما ألّف قطعاً موسيقية سيمفونية كلاسيكية، عزفتها فرق محترفة في روما وميلانو، كما أخبرني..

الملك إدريس السنوسي وإلى جانبه فتحي الخوجة وفؤاد الكعبازي

ومن إنجازاته الكبرى؛ ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الإيطاليّة، وهو الأمر الذي خلب لبّ بابا الفاتيكان، وأركان اللاهوت في الدولة المسيحيّة، لجهة اللغة الإيطاليّة الساحرة والعميقة، التي قدّم (الكعبازي) على متنها معاني آيات الذكر الحكيم؛ ما حدا بالسلطات الرسميّة الإيطاليّة أن تطلب من القذافي فيما بعد، تعيين (الكعبازي) سفيراً لليبيا في الفاتيكان، وترجم القذافي مثل هذا التمنّي، وصار (الكعبازي) لاحقاً سفيراً في الحاضرة الفاتيكانية من العام (1998 إلى العام 2003م).

شاءت المصادفات، وأنا في عزّ اشتغالي على ترجمة قصائد للشاعر السنغالي الكبير بيراغو ديوب (1906- 1989م)، أن كان (الكعبازي) أيضاً يشتغل على ترجمة نماذج من شعره إلى العربيّة، ضمّنها فيما بعد كتابه الضخم: (قراءات في الشعر العالمي)، والذي حوى، إضافة إلى قصائد السنغالي ديوب، قصائد للشعراء الإيطاليين الكبار: (دانونزيو، كوازيمودو، أونغاريتي، تريلوسا وطوطوه). وكذلك للشاعرين العملاقين: الإسباني (خوان رامون خيمينيث)، والتشيلي (بابلو نيرودا).

هكذا إذاً، ومن دون علم مسبّق، التقيت مع (الكعبازي) على صوت شعريّ إفريقي متفوّق، يمثله السنغالي بيراغو ديوب، ووافقني هو الرأي أيضاً على أنه الأهم بين الشعراء الأفارقة الكبار: (ليوبولد سنغور (ابن بلده)، والنيجيري رينيس أوساد باي، والغيني أوديتي سيميدو، والإيفواري برنار بينلين داديي). 

ولكم أحببت ترجمة (الكعبازي) لقصيدة بيراغيو ديوب، الحاملة عنوان (إنصات)، والتي جاء فيها: (أنصت إلى الأشياء/ أكثر من الأحياء/ أنصت إلى أجيج النار/ وخرير المياه/ أنصت إلى الريح في عويل الشجر/ وتنهّد الأجداد/ لم يذهب الأموات أبداً/ إنهم في الظلال الغاسقة/ والظلمات الدهماء/ في المكان المنعزل/ في انشغالات الجموع/ الأموات ليسوا موتى/ إنهم في صدور النساء/ في صراخ كل طفل/ في الصخر العاري/ في الغاب والبيت/ الموتى لم يموتوا).

ولمعرفة عمق هذه الأبيات من وجهة نظر المترجم، ينبغي الرجوع إلى تقاليد تقديس ذكرى الأجداد في إفريقيا، فالأجداد هم الراسخون، وهم الذين يحفظون؛ ومن أراد الهناءة في حياته، فعليه إرضاؤهم، سواء أكانوا أحياءً أم أمواتاً.

وهكذا يرى (الكعبازي) أنّ ابتعاث التراث الروحي الخاص بالكيان الاجتماعي لكل قوم، هو شأن يظلّ سامياً في العالم أجمع، وفي الشرق على نحو أخصّ. ومن هنا رأينا تركيز المجتمعات الشرقيّة على الأصل والفصل قبل المؤهّل والذكاء... ولم يضعف ذلك التشبّث بعالم الروح، إلّا في أواخر عصرنا الحاضر الذي أخذ يميل، برأي (الكعبازي)، إلى المعايير المادية الصرف. ولو استمر أمر تدهور القيم بهذه الطريقة، فالأجدر بالمرء الصالح بعدها، أن يلجأ إلى الغاب، حيث براءة الطويّة ستظل تمثل بصيصاً من الأمل للإنسان.

وأهم ما فعله (فؤاد الكعبازي)، بالنسبة إليّ على الأقل، هو أنه عرّفني شخصيّاً بالشاعر السنغالي بيراغو ديوب، والتقينا نحن الثلاثة في مقهى غامض في الأحياء القديمة لمدينة طرابلس، والتي كان يعشقها مضيفنا (الكعبازي) العشق كله.. وهناك علّق ديوب: (لقاؤنا هذا هو بحدّ ذاته قصيدة حيّة لن تبور، حتى ولو بارت كل الأشياء من حولها.. لقاؤنا هو الريح الثابتة والمتحركة في آن).