نافذة الثقافة العربية

شاعرة وباحثة مختصة في الآثار العربية الإسلامية

باهرة عبداللطيف: يشغلني هاجس الهوية بمحمولاتها الإنسانية

الكاتب : د. عزيز بعزي

المزيد من المواضيع للكاتب
العدد السادس والسبعون Feb, 01 2023
بعدما ساءت الأوضاع العامة في العراق، في تسعينيات القرن الماضي، اختارت الكاتبة والمترجمة العراقية (باهرة عبداللطيف) الإقامة بإسبانيا، منذ عام (1995م) إلى يومنا هذا. ولدت باهرة عبد اللطيف (1957م) ببغداد، وحصلت على البكالوريوس في اللغة والأدب الإسباني من جامعة بغداد (1979م)، كما حصلت على دبلوم في الترجمة الفورية، ودبلوم في الترجمة التحريرية من جامعة أوتونوما بمدريد (1982م)، وماجستير في أدب أمريكا اللاتينية (1997م) من جامعة أوتونوما أيضاً.

وقد عملت أستاذة للغة والأدب الإسباني في كلية اللغات بجامعة بغداد، ثم أستاذة للترجمة الفورية في جامعتي أوتونوما وكمبلوتنسي بمدريد، وحالياً تعمل في الجامعة الكاثوليكية بآبيلا.

باهرة عبد اللطيف

للكاتبة باهرة العديد من الإصدارات، ومن مؤلفاتها في الشعر: (لي منزل هناك)، (فلاشات معتمة). وفي المسرح: (كرسي على الحدود). من أعمالها المترجمة من الإسبانية إلى العربية: (سماء متشظية) رواية موريسكية لفرناندو بارّيخون، (الغابة الضائعة) مذكرات رافائيل ألبرتي، (أبداً لن يجدوا شفتيّ) مختارات شعرية لأنطونيو سيّونيس، (تأملات حول قرطبة في القرن الحادي والعشرين) لمجموعة من الباحثين الإسبان، (كتالوج ذخائر المؤلفات القديمة بالعربية في المكتبة الإسلامية بمدريد)...

 

حازت باهرة عبداللطيف الميدالية الذهبية عام (2017م) للمنتدى الثقافي العربي الإسباني بمدريد، كما حصلت على شهادة ودرع التكريم لعام (2021م) من جمعية المترجمين العراقيين. وفي عام (1993م)، حازت ترجمتها لمذكرات الشاعر الإسباني رافائيل ألبرتي (الغابة الضائعة) جائزة أفضل كتاب مترجم بالعراق.

وقد سعيت من خلال الحوار الذي أجريته معها، إلى التركيز على قضايا أدبية وإبداعية بغية التعرف إليها أكثر، وإليكم نص الحوار:

• أنت محظوظة جداً في طفولتك، فوالدك كان له رصيد ثقافي مميز، ويملك داراً للنشر، ومطبعة كانت الأكبر في بغداد، فما تأثير ذلك المحيط الثقافي في نفسيتك ومستواك التعليمي والثقافي؟ وما هي أبرز المؤلفات والكتب التي قرأتها في تلك المرحلة؟

- فتحت عينيّ في منزل كانت الكتب تمثل لساكنيه قيمة ومكانة مميزة. في مكتبة بيتنا، قرأت وأنا في سن مبكرة جداً، كتباً طبعها ونشرها والدي الراحل في مجالات متعددة، كالأدب والتاريخ. وهكذا انشغلت بقراءات تخص البالغين، ما فتح عيني على عالم فسيح خارج اهتمامات الطفولة، فشغفت بأعمال همنغواي وتولستوي ودوستويفسكي وهوغو وديكنز، قبل الانتقال إلى الكتّاب العرب، كالعقاد ونجيب محفوظ وميخائيل نعيمة وسواهم. جو القراءة في محيط الأسرة دفعنا جميعاً، ونحن عشرة أشقاء، إلى أن نركز جهودنا في دراستنا وتطوير قدراتنا العلمية والفكرية والمهنية.

 

• تقدّمين نفسك بأنك باحثة مختصة في أدب (خورخي لويس، بورخيس)، والآثار العربية والإسلامية في أعماله الأدبية، متى بدأت الاشتغال على هذا الأمر، وهل أنت راضية بهذا العمل، وما انعكاساته على المتتبعين لشؤون الأدب عموماً؟

- اهتمامي ببورخس بدأ مبكراً، وفي التسعينيات ترجمت بعضاً من مقالاته ونشرتها في العراق. وعندما عدت إلى إسبانيا لأقيم فيها، قرأت أعماله الكاملة، ولاحقت الآثار المشرقية العربية والإسلامية، لأنها ظلت مهملة على كثرة ما نشر من كُتب عنه، على مدى أعوام طوال، واطلعت على معظم ما كُتب عنه بلغات عدة، والتهمت آلاف الصفحات التي أضاءت لي أعماله. ما توصلت إليه كثير ومهم وجديد، يكشف عن (بورخيس) الحقيقي، لا (بورخيس) الذي تلقفته أيدي مترجمي الصحف، غالباً عبر قراءات بلغات وسيطة كالإنجليزية أو الفرنسية، ممن اكتفوا بقراءة القليل، وبنوا أحكامهم على نحو اختزالي هائل. أذكر أني اطلعت على أطروحة ماجستير بالعربية عنه، تأسستْ على مصادر من هذا النوع، وخرجتْ بأحكام تخلو من الروح العلمية القائمة على البحث الأكاديمي الموضوعي. نشرت القليل عن موضوع بحثي، إلا إني حاضرت حوله بالإسبانية والعربية، في جامعات عربية وإسبانية وأرجنتينية، وآخر محاضرة لي مع مؤسسة (بورخيس) ببوينس آيريس في ذكرى ميلاده، وأخطط لإصدار خلاصات بحثي قريباً بأكثر من لغة.

• هل يمكن القول بأن مهمتك تكمن في السعي إلى ربط الجسر بين المجتمعين العربي والإسباني، من خلال اللغة والأدب؟

- لقد وضعت يدك على مفصل مهم من أفكاري وقيمي، التي تبنّيتها عن وعي في أن أكون جسراً إنسانياً ثقافياً، بين عالمين وثقافتين ومجتمعين. وقد سعيت لذلك من خلال عملي متعدد الاختصاصات، وفي نيتي تكريس جهدي القادم لنشر الدراسات البحثية، فلطالما آمنت بأن مهمة الباحث هي التقريب بين الثقافات، واكتشاف وتعزيز المشتركات الإنسانية بينها، إذ على الرغم من وجود هذه المشتركات بين الثقافتين العربية والإسبانية، فإننا كثيراً ما نجدها محكومة برؤى ماضوية عقيمة. وهذا المنظور يكثر في الدوائر الأكاديمية المتشبثة بالماضي وأخطائه، على كلتا الجهتين: الإسبانية والعربية. لذا، لا بد من تحديث المنظور في معالجة هذه المشتركات... نحتاج إلى التركيز في الحاضر، لأنه سيحدد مستقبل علاقاتنا كأمم وشعوب وثقافات، والحرص على بنائه على أساس الندية والاحترام المتبادل القائم على الحوار.

 

• تأثرت بعدد كبير من الأعمال الأدبية والنقدية لـ(معلمك) الشاعر والروائي والرسام والمترجم والناقد الأدبي (جبرا إبراهيم جبرا)، فما هي أبرز تلك الأعمال؟

- المعلم (جبرا) كان حزمة مبدعين، في مجالات السرد القصصي والروائي والشعري والنقدي والترجمي والسيري، مارس الرسم وعشق الموسيقا ووظفها في كتاباته، وكلها وجوه مميزة لمبدع متعدد. قرأت أعماله في مرحلة مبكرة من حياتي، إن لم أقل كلّها، فجلّها. وحين تعرفت إليه شخصياً، وحاورته عن قرب، استكملت قراءة ما كان ينقصني من خلال مكتبته الشخصية. أحببت أعماله الإبداعية، فإلى جانب (البحث عن وليد مسعود)، شدتني روايتا (السفينة) و(صيادون في شارع ضيق)، التي كانت نابضة بالبيئة البغدادية وشخوصها، من خلال عينيّ الفلسطيني القادم إليها في منتصف القرن الماضي، فكانت أشبه بالسيرة الذاتية للراحل (جبرا) نفسه.

من أعماله النقدية والترجمية، تعلمت الكثير، فقد أغنت معارفي الأدبية والفنية، وهذبت ذائقتي النقدية، وأسعدت روحي أزماناً. لقد كان المعلم (جبرا) شخصية ثقافية كونية، سابقة لزمنها، وبهذا الأفق العالمي كتب وترجم وأبدع.

• ما موقع الشعر في أعمالك الأدبية؟ ومن هم أهم الشعراء العرب والإسبان الذين تأثرت بهم؟

- للشعر حصة مهمة في كتاباتي، لكن نشره جاء متأخراً، فقد كتبت الشعر، أو ما كنت أحسبه شعراً، في صغري، ثم توقفت زمناً طويلاً لأنصرف إلى الشعر العربي قديمه وحديثه، والشعر الإنجليزي، ثم الشعر الإسباني في كل عصوره، لأني شعرت بحاجتي أولاً لقراءة نماذج مهمة من المنجز الشعري الإنساني.. فالشاعر الذي يطمح إلى كتابة قصيدة تدهش القارئ أو تستوقفه، لا بد له من الاطلاع على منجز من سبقه في فضاء الشعر الفسيح، احتراماً للقارئ ووقته الثمين وجهده، وماله أيضاً، وهذا من صميم مسؤولية الكاتب الأخلاقية. أقرأ لشعراء من شتى العصور والثقافات، وذاكرتي ملأى بقصائد وأبيات متفرقة. من القدامى يبقى المتنبي يدهشني، ومن شعراء قصيدة النثر، محمد الماغوط الذي أسرني بشعره في (الفرح ليس مهنتي). ومن شعراء أمريكا اللاتينية، تأثرت ببورخيس، وباث، وباييخو، ونيرودا، والفونسينا ستورني. ومن إسبانيا: ألبرتي، ولويس ثيرنودا، وخوسي أنخل بالنته.

• أنت عراقية مقيمة بإسبانيا لأكثر من ربع قرن، ومن دون شك فهاجس الهوية سيكون موقعه حاضراً في كتاباتك، أليس كذلك؟

- حقاً إن هاجس الهوية ماثل في كل ما أكتب من شعر وقصة ومقالة ومسرح، وأعبّر عنه في جميع أنشطتي الثقافية، سواء أكانت أدبية أم فكرية. وهويتي هي أنا، بكل حمولاتي كإنسان من شرقنا المتخم بالحروب والمظالم، أو كامرأة تعي القيود المفروضة على بنات جنسها وجلدتها، وتسعى للتمرد عليها والتخلص منها، بهدوء وبلا ضجيج، من خلال العمل الجاد والحوار المنطقي مع المؤسسة الاجتماعية في مجتمعاتنا، أو كمثقفة تحاور الآخر المتمترس بصوره النمطية عنّا، النابعة من مركزيته الغربية المتعالية.

• هل تؤمنين بقيمة الجوائز في تشجيع إبداعات المثقفين؟

- الجوائز كانت ومازالت، تسهم في تحفيز الكتاب والمثقفين على الإنجاز والتجويد في نتاجاتهم الأدبية والفكرية، شرط أن تقوم على معايير تنافسية موضوعية، وأن تشرف عليها هيئات مشهود لها بالرصانة والعلمية. وبخلاف ذلك، تصبح إضفاء الشرعية على أشباه المبدعين، ما يحبط المبدعين الحقيقيين.